أبو حامد الغزالي
102
تهافت الفلاسفة
إليه في التقدير ، فيكون قدر إمكان هو ضعف « 1 » إمكان آخر ، ولا بد من إمكان آخر هو ضعف الكل . فهذا الإمكان المقدر بالكمية ، الذي بعضه أطول من بعض بمقدار معلوم ، لا حقيقة له إلا الزمان ، فليست هذه الكميات المقدرة صفة ذات الباري تعالى عن التقدير ، ولا صفة عدم العالم ، إذ العدم ليس شيئا حتى يقدر بمقادير مختلفة ، والكمية صفة فتستدعى ذا كمية ، وليس ذلك إلا الحركة ، والكمية « 2 » إلا الزمان الذي هو قدر الحركة ، فإذن قبل العالم عندكم شئ ذو كمية متفاوتة ، وهو الزمان ، فقبل العالم عندكم زمان . الاعتراض : أن كل هذا من عمل الوهم ، وأقرب طريق في دفعه ، المقابلة للزمان بالمكان ، فإنا نقول : هل كان في قدرة اللّه أن يخلق الفلك الأعلى في سمكه أكبر مما خلقه بذراع ؟ ! فإن قالوا : لا ، فهو تعجيز ، وإن قالوا نعم ، فبذرا عين وثلاثة أذرع وكذلك يرتقى إلى غير نهاية ، فنقول : في هذا إثبات بعد وراء العالم له مقدار وكمية إذ الأكير بذراعبن أو ثلاثة ما يشغل مكانا أكبر من مكان يشغله الأكبر بذراع ، فوراء العالم بحكم هذا ، كمية ، فتستدعى ذاكم وهو الجسم أو الخلاء ، فوراء العالم خلاء أو ملاء ، فما الجواب عنه ؟ ! ، وكذلك هل كان اللّه قادرا على أن يخلق كرة العالم أصغر مما خلقها بذراع ثم بذراعين ، وهل بين التقديرين تفاوت فيما ينتفى من الخلاء والشغل للأحياز ؟ ! إذ الملاء المنتفى عند نقصان ذراعين أكثر مما ينتفى عند نقصان ذراع فيكون الخلاء مقدارا ، والخلاء ليس بشئ فكيف يكون مقدارا ؟ ! وجوابنا في تخييل الوهم تقدير الإمكانات الزمانية قبل وجود العالم ، كجوابكم في تخييل الوهم تقدير الإمكانات المكانية وراء وجود العالم ، ولا فرق . فإن قيل : نحن لا نقول : إن ما ليس بممكن فهو مقدور ، وكون العالم
--> ( 1 ) يعنى أن ما يسبق به العالم الثالث العالم الأول هو ضعف ما يسبق به العالم الثاني العالم الأول ؛ ويمكن فرض عالم رابع يكون سبقه للعالم الأول ضعف ما يسبق به العالم الثالث العالم الأول ( 2 ) أي وليست الكمية إلا الزمان .